القرطبي
144
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ذي الشرف أي من آمن به كان شرفا له في الدارين ، كما قال تعالى : " لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم " [ الأنبياء : 10 ] أي شرفكم . وأيضا القرآن شريف في نفسه لإعجازه واشتماله على ما لا يشتمل عليه غيره . وقيل : " ذي الذكر " أي فيه ذكر ما يحتاج إليه من أمر الدين . وقيل : " ذي الذكر " أي فيه ذكر أسماء الله وتمجيده . وقيل : أي ذي الموعظة والذكر . وجواب القسم محذوف . واختلف فيه على أوجه : فقيل جواب القسم " ص " ، لأن معناه حق فهي جواب لقوله : " والقرآن " كما تقول : حقا والله ، نزل والله ، وجب والله ، فيكون الوقف من هذا الوجه على قوله : " والقرآن ذي الذكر " حسنا ، وعلى " في عزة وشقاق " تماما . قال ابن الأنباري . وحكى معناه الثعلبي عن الفراء . وقيل : الجواب " بل الذين كفروا في عزة وشقاق " لأن " بل " نفي لأمر سبق وإثبات لغيره ، قاله القتبي ، فكأنه قال : " والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق " عن قبول الحق وعداوة لمحمد صلى الله عليه وسلم . أو " والقرآن ذي الذكر " ما الأمر كما يقولون من أنك ساحر كذاب ، لأنهم يعرفونك بالصدق والأمانة بل هم في تكبر عن قبول الحق . وهو كقوله : " ق والقرآن المجيد . بل عجبوا " [ ق : 2 ] . وقيل : الجواب " وكم أهلكنا " [ ق : 36 ] كأنه قال : والقرآن لكم أهلكنا ، فلما تأخرت " كم " حذفت اللام منها ، كقوله تعالى : " والشمس وضحاها " [ الشمس : 1 ] ثم قال : " قد أفلح " [ الشمس : 9 ] أي لقد أفلح . قال المهدوي : وهذا مذهب الفراء . ابن الأنباري : فمن هذا الوجه لا يتم الوقف على قوله : " في عزة وشقاق " . وقال الأخفش : جواب القسم " إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب " ونحو منه قوله تعالى : " تالله إن كنا لفي ضلال مبين " [ الشعراء : 97 ] وقوله : " والسماء والطارق " إلى قوله " إن كل نفس " [ الطارق : 1 - 4 ] . ابن الأنباري : وهذا قبيح ، لأن الكلام قد طال فيما بينهما وكثرت الآيات والقصص . وقال الكسائي : جواب القسم قول : " إن ذلك لحق تخاصم أهل النار " [ ص : 64 ] . ابن الأنباري : وهذا أقبح من الأول ، لأن الكلام أشد طولا فيما بين القسم وجوابه . وقيل الجواب قوله : " إن هذا لرزقنا ما له من نفاد " [ ص : 54 ] . وقال قتادة : الجواب محذوف تقديره " والقرآن ذي الذكر " لتبعثن ونحوه .